وثائق ارشيف حرب 67

pattern
details
منذ 0 ساعة

وثائق ارشيف حرب 67

وثائق أرشيف حرب 67 تؤكد ثبات ثلاثية القتل والتهجير والتدمير الإسرائيلية

الشهادة تتحدث عن غزة 1967 وليس غزة 2023، ما يشير إلى أن ثقافة القتل متجذرة تاريخيًا في الجيش الإسرائيلي، وأن نزع صفة الآدمية عن الفلسطينيين ليس وليد السابع من تشرين الأول/أكتوبر فقط، كما يدعون...

سليمان أبو ارشيد

 

 

على هامش ما كشفه تحقيق صحيفة "هآرتس" ومعهد "عكفوت"، من عمليات قتل وتهجير واسعة قام بها الجيش الإسرائيلي طالت 300 ألف عربي في الضفة الغربية والجولان المحتلين خلال حرب 1967، استنادًا إلى شهادات كانت محفوظة في أحد الأرشيفات الإسرائيلية التي أُفرج عنها مؤخرًا، وشملت عشرات الجنود الذين شاركوا في الحرب ونفذوا بعض تلك الجرائم بأيديهم.

على هامش هذا التحقيق، الذي سلّط الضوء على عمليات القتل والتهجير الواسعة التي ارتكبها الجيش الإسرائيلي على الجبهتين السورية والأردنية – الفلسطينية بشكل خاص، تجلت حقيقة ساطعة طالما رددها العديد من الباحثين والسياسيين الفلسطينيين والعرب، وهي أن الجيش الإسرائيلي كان قد استعد منذ مطلع الستينيات لاحتلال مناطق واسعة خارج حدود الدولة (حدود الهدنة عام 48)، وذلك بعكس ما يُشاع من أن الاحتلال جاء نتيجة للانتصارات التي حققها الجيش الإسرائيلي في الحرب، ولم يُخطط له مسبقًا.

وكشفت الوثائق آنفة الذكر أن إسرائيل كانت قد قدرت بأن الظروف السياسية ستلعب لصالحها وتمكنها من البقاء في الأراضي التي ستحتلها لفترة متواصلة، ولهذا السبب فقد خططت مسبقًا لإقامة "حكم عسكري" طويل الأمد لتولي المناطق التي احتلتها لاحقًا، وخاصة الضفة الغربية وشمال سيناء، لمدة طويلة.

هذه الحقيقة التي تؤكدها الوثائق الأرشيفية التاريخية تنسف جميع الادعاءات الإسرائيلية الرسمية التي تقول إن إسرائيل تفاجأت بواقع احتلال جيشها لتلك المناطق ولم تكن جاهزة لإدارتها، كما أنها تضع علامات سؤال كبيرة على كل الرواية الإسرائيلية المتعلقة بحرب 1967، واتهامها لعبد الناصر بفتح الحرب أو باستدعائها، وتفضح في الوقت نفسه المخطط الإسرائيلي الذي يستهدف السيطرة على كل فلسطين التاريخية واحتلال مناطق عربية مجاورة لها، وتكشف أن الموافقة الصهيونية على قرار التقسيم عام 47 ليست إلا تكتيكًا سياسيًا أرادت من خلاله الحصول على شرعية دولية لأحقية وجودها في فلسطين.

هذا ناهيك عن أن الوقائع الواردة في التحقيق، من مصادر أولية وعلى ألسنة الجنود، إنما تؤكد ثقافة القتل المترسخة في الجيش الإسرائيلي، والتي تتواصل اليوم بوسائل أكثر فتكًا ودموية وبوتائر مضاعفة في غزة ولبنان وغيرها من المناطق، حيث يجري توظيف القتل بشكل منهجي لتحقيق غاية التهجير والتطهير العرقي، لكنه لا يتوقف عندها فقط، إذ يُستعمل لتحقيق رغبة الانتقام، أو إنه، بتعبير أحد الجنود الذين نقلت "هآرتس" شهاداتهم وشاركوا في القتل، مجرد رياضة. والجندي المذكور يضيف قائلًا: "في البداية لم أوافق على قتل عرب مسالمين، لكن في النهاية وصلنا إلى نتيجة بأننا يجب أن نقتلهم، وذلك بعد أن مررنا بعملية التوقف عن النظر إليهم كبشر".

الشهادة تتحدث عن غزة 1967 وليس غزة 2023، ما يشير إلى أن ثقافة القتل متجذرة تاريخيًا في الجيش الإسرائيلي، وأن نزع صفة الآدمية عن الفلسطينيين ليس وليد السابع من تشرين الأول/أكتوبر فقط، كما يدعون، وأن تصريحات غالانت ونتنياهو حول "الحيوانات البشرية" تنتمي إلى تراث صهيوني عريق مشبع بجرائم الفكر العنصري، وأن غزة 2023 هي حلقة في المسلسل الدموي الصهيوني المتمثل في القتل والتهجير والتطهير العرقي، الممتد من الـ48 وحتى اليوم.

كما أن التحقيق يكشف أيضًا أن الإجماع الصهيوني وتواطؤ الصمت اللذين وحّدا المجتمع الإسرائيلي في حرب الإبادة على غزة، واللذين يجعلان حتى الأصوات "اليسارية" في هذا المجتمع تملأ فمها بالماء وتنضوي تحت لوائه، ليسا حالة جديدة، ولا هما وليدا ما يصفونه بصدمة السابع من تشرين الأول/أكتوبر التي هزت كيانهم. ويكفي الإشارة إلى ما يفيد به التحقيق عن سكوت رجل "اليسار" المعروف أوري أفنيري عن جريمة قيام الجيش الإسرائيلي بقتل الأطفال والنساء والرجال في طريق عودتهم إلى بيوتهم التي هُجّروا منها خلال الحرب، وأنه رغم امتلاكه شهادات موثقة من جنود حول أوامر إطلاق النار على العائدين، امتنع أفنيري عن نشر الموضوع في جريدته "هعولام هزيه"، أو إعلائه من على منصة الكنيست التي كان عضوًا فيها في ذلك الوقت، وذلك رغم رفض رئيس أركان الجيش إسحق رابين لطلبه فتح تحقيق ووقف عمليات القتل.

كما أن التقرير الذي رفعه عاموس كينان، لدى خدمته في جيش الاحتياط في اللطرون، إلى رئيس الحكومة حينها، ليفي أشكول، لم يجد طريقه إلى النشر، بينما ظهر تقرير ليوسف الغازي، المنتمي إلى الحزب الشيوعي، عن الموضوع بعد خمسة أشهر من الحرب فقط.

طبعًا، كعادتها في مثل هذه الحالات، لا تسمح إسرائيل بالكشف عن جميع الوثائق المرتبطة بتهجير 1967، مثلما لا تنفك عن منع نشر العديد من الوثائق المرتبطة بنكبة 48 رغم مرور ثمانية عقود، إلا أن ما نُشر حتى الآن يؤكد الخطوط الرئيسية المشتركة للسياسة الإسرائيلية بأركانها الثلاثة: القتل والتهجير وتدمير البنى العمرانية لمنع العودة. هكذا حدث في الـ48، وهكذا حدث في الـ67 مع قرى عمواس ويالو وقرى ومدن الجولان، التي جرى تدميرها بعد بضعة أيام من انتهاء الحرب، لمنع عودة 130 ألف سوري إليها، وفي غزة 2023، ويحدث الآن في جنوب لبنان.