
قراءة قانونية في «بيان واشنطن»: بلى نحن في حالة حرب مع العدو
مجتبى الحسيني
عشرات الشهداء ومئات الجرحى يسقطون يومياً، وتُهجَّر قرى بكاملها ويُمسح بعضها عن الخريطة، في ظل «وقف إطلاق نار» جزئي، تتفاخر السلطة بأنها «انتزعته»، فيما تشير الوقائع إلى أنه لم يُنتزع بعبقرية دبلوماسية، بل جاء نتيجة ضغط إيراني على طاولة إسلام آباد.
في هذا المناخ، نشرت السفارة الأميركية في بيروت، مساء 30 نيسان، بياناً يُبشّر اللبنانيين بـ«فرصة تاريخية»، ويدعو إلى لقاء مباشر بين رئيس الجمهورية ورئيس وزراء الكيان «بتيسير من الرئيس ترامب».
لغة البيان جاءت ناعمة ومُنمّقة: «بلدان جاران ما كان ينبغي لهما قط أن يكونا في حالة حرب»، «نهضة وطنية»، «ضمانات ملموسة». عبارات تنساب وكأنها تصف علاقة طبيعية بين النرويج والسويد، لا بين بلدٍ محتلّ ومن يحتله.
هذا التناقض بين أنين الجرحى وبلاغة البيانات الدبلوماسية يستحق وقفة قانونية بعيداً عن الانفعال، لتبيان ما تعنيه هذه العبارات بالضبط.
من «وقف النار» إلى «معاهدة السلام»وردت خ
مس كلمات في وثيقة 16 نيسان الصادرة عن الخارجية الأميركية، وتكررت في بيان السفارة: «البَلَدان ليسا في حالة حرب». العبارة في ظاهرها تبدو محايدة، توصيفية، أقرب إلى صياغة تقنية. غير أن هذا الانطباع يخفي ما هو أعمق: فهذه الكلمات الخمس تؤدي وظيفة قانونية تستهدف إعادة تعريف الإطار الذي تُفهم ضمنه العلاقة بين الطرفين.
في القانون الدولي سلسلة مصطلحات مرتبطة بوقف الأعمال القتالية، كثيراً ما يختلط استخدامها، رغم أن القانون يميّز بينها بدقة. أول هذه المصطلحات «وقف إطلاق النار» (Ceasefire)، وهو اتفاق ميداني مؤقت يُعقد لأغراض عملية محددة. يليه «تثبيت وقف إطلاق النار»، وهو مرحلة لاحقة تتطلب آليات تحقق ومراقبة لضمان الالتزام واستدامة الهدوء. أما «الهدنة» (Truce)، فهي أوسع نطاقاً من وقف إطلاق النار، وتنشأ عادة بقرار دولي، ثم «اتفاقية الهدنة» (Armistice Agreement)، وهي أكثر عمقاً من حيث الأثر القانوني، إذ تنشئ أطراً وآليات تنظيمية، والأهم أنها تفترض استمرار حالة الحرب القانونية، مع الاكتفاء بتعليق الأعمال العسكرية دون إنهائها.
ثم تليها مرحلة «تثبيت الهدنة لفترة طويلة»، يُعمل خلالها غالباً على بناء قدر من الثقة بين الأطراف المتحاربة. بعدها يأتي «حوار السلام»، وهو إطار تفاوضي سياسي غير ملزم قانونياً، يهدف إلى البحث في تسوية شاملة، ثم أخيراً «معاهدة السلام» (Peace Treaty)، وهي الأداة القانونية الوحيدة التي تنهي حالة الحرب القانونية. وحتى بعد توقيع معاهدة السلام، غالباً ما تليها مراحل انتقالية قبل الوصول إلى التطبيع الكامل للعلاقات الدبلوماسية والتجارية.
إطار الفصل السابع لا يُلغى ببيان
ما وقّعه لبنان في رأس الناقورة في 23 آذار 1949 ليس معاهدة سلام، بل «اتفاقية هدنة». والفرق شاسع بين الاثنتين. فـاتفاقية الهدنة تفترض، في كل حرف من حروفها، استمرار حالة الحرب القانونية. وهي تنص صراحة في مادتها الثامنة على أنها «تبقى نافذة حتى الوصول إلى تسوية سلمية بين الفريقين». أي إن إنهاء حالة الحرب لا يتم ببيان من سفارة، ولا بوثيقة بين سفراء، ولا اتفاق بين رئيس ورئيس وزراء، بل بتسوية سلمية شاملة ونهائية.
ولأن هذه الاتفاقية لم تُنشأ كاتفاق ثنائي عادي، بل جاءت في سياق ترتيبات دولية بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، صدر في قرار مجلس الأمن رقم 62 في 16 تشرين الثاني 1948، فإن ما يلزم لبنان قانونياً ليس مجرد نص بينه وبين الكيان، بل قرار صادر عن أعلى سلطة في النظام الدولي.
ما الذي يفعله، إذاً، البيان حين يقول «البَلَدان ليسا في حالة حرب»؟
أولاً، البيان لا يصف حالة قائمة، بل يحاول إنشاء حالة قانونية بديلة، تُنقل فيها العلاقة من إطار «الهدنة المرتبطة بحالة حرب قائمة» إلى حالة السلام التي تفتح باب التطبيع.
لا يملك أي طرف، لا رئيس الجمهورية ولا رئيس الحكومة، ولا الحكومة مجتمعة ولا مجلس النواب بأكثرية بسيطة، صلاحية دستورية أو قانونية لنقل لبنان من حالة الحرب إلى حالة السلم
ثانياً، لا يملك أي طرف، لا رئيس الجمهورية، ولا رئيس الحكومة، ولا الحكومة مجتمعة، ولا حتى مجلس النواب بأكثرية بسيطة، صلاحية إحداث هذا التحول من الناحية الدستورية أو القانونية. فالمادة 65 من الدستور، في فقرتها الخامسة، تجعل قرارات الحرب والسلم من صلاحية مجلس الوزراء مجتمعاً بأكثرية الثلثين.
كما أن المادة 52 تُلزم بأن المعاهدات التي لا تُفسَخ سنة فسنة تحتاج إلى موافقة مجلس النواب. وحتى في حال افترضنا جدلاً توافر هذه الأغلبيات، يبقى لبنان مقيّداً بالمبادئ الدستورية العامة، ولا سيما الفقرة (ب) من مقدمة الدستور التي تُلزم الدولة اللبنانية بـ«مواثيق جامعة الدول العربية»، ومنها الميثاق العربي لحقوق الإنسان الذي يكرّس في مادته الثانية حق الشعوب في مقاومة الاحتلال والعمل على إزالة «العنصرية والصهيونية والاحتلال والسيطرة الأجنبية».
ولفهم هذه السقطة الدستورية، تجدر الإشارة إلى أن الفقرتين (ب) و(ط) من مقدمة الدستور هما، بموجب اجتهاد المجلس الدستوري في القراره 2/2001، جزءًا لا يتجزأ من الدستور نفسه. ولا تُلغى المقدمة الدستورية، أو يُعدَّل أي بند فيها، إلا عبر مسار دستوري كامل ومعقّد: أكثرية الثلثين في مجلس النواب، ثم إصدار مرسوم بالتعديل، ثم إعادة إقراره من مجلس النواب، ضمن آلية تعديل دستوري متكاملة لا تُنجز في اجتماع حكومي ولا بتوقيع سفيرة.
بمعنى آخر، من يريد أن يقول إن «لبنان البلد وكيان العدو الإسرائيلي ليسا في حالة حرب» من زاوية قانونية، عليه أن يجمع ثلثَي مجلس الوزراء، وأكثرية مجلس النواب، وأن يفتح ورشة تعديل دستوري لإلغاء الفقرات الملزِمة في المقدمة، وأن ينسحب من جامعة الدول العربية ومن ميثاقها العربي لحقوق الإنسان ومن الأمم المتحدة وميثاقها (الذي يشرّع للشعوب مقاومة الاحتلال)، وأن يلغي قانون مقاطعة إسرائيل 1955، وأن يعدّل المواد 273 إلى 285 من قانون العقوبات، وأن يستحصل من مجلس الأمن على إلغاء القرار رقم 62 الصادر في 1948.
كل ذلك تجاوزَتْه السلطة بقبولها بصياغة واردة في وثيقة دبلوماسية، يعلن رئيس الجمهورية أمام وفد الهيئات الاقتصادية أنه «موافق عليه»، ثم يحاول التنصل من بنوده الأخرى، وكأن الموافقة على نص دولي أو دبلوماسي يمكن تجزئتها أو انتقاؤها، فيما القاعدة العامة في العمل القانوني والدبلوماسي أن النص يُؤخذ كوحدة متكاملة.
ثالثاً، يتجاهل البيان أن حالة الحرب القانونية لا تنتهي بمجرد صيغة تُدرج في وثيقة. وحتى في حال افتراض أن سلاماً شاملاً قد يُكتب له التحقق، فإن إنهاء حالة الحرب يستوجب معاهدة متكاملة تعالج مجمل القضايا العالقة: الأراضي المحتلة، الألغام، الأسرى، التعويضات، وحقوق اللاجئين الفلسطينيين. أما الحديث عن إنهاء الحرب في ظل استمرار احتلال أراضٍ لبنانية، مثل مزارع شبعا وتلال كفرشوبا، وكامل قرية الغجر وآبل القمح والنخيلة وسائر «القرى السبع» (وهي أكثر من سبع)، واحتلال حوض مائي، وزرع الأراضي اللبنانية بألغام لم تسلم خرائطها، واحتجاز أسرى لبنانيين مُنعت اللجنة الدولية للصليب الأحمر من زيارتهم - فهو كلام لا يستوي مع منطق القانون الدولي.
كيف سُلِب «حق» لبنان وحده؟
ذهب رئيس الجمهورية إلى أن بيان 16 نيسان ليس أكثر من إعادة صياغة لبيان وقف إطلاق النار الصادر في تشرين الثاني 2024، غير أن المقارنة بين النصّين تكشف فارقاً جوهرياً.
فقد نصّ بيان 27 تشرين الثاني 2024 على أن الالتزامات الواردة فيه لا تقيّد أياً من الطرفين من ممارسة «حقهما الطبيعي في الدفاع عن النفس». وهنا يُلاحظ استخدام صيغة المثنّى: «حقهما»، بما يعكس قدراً من التكافؤ. كما نصّ على إحالة أيّ انتهاكات إلى قوات اليونيفيل، أي إلى جهة يفترض أنها محايدة. وفي هذا السياق، فإن المقاومة مارست في 2 آذار حقاً يكفله الدستور والمواثيق واتفاق وقف إطلاق النار، رداً على العدوان المتمادي.
أما بيان 16 نيسان 2026، فيتحدث عن «الحفاظ على الحق الأصيل لإسرائيل في الدفاع عن النفس»، مستخدماً صيغة المفرد لا المثنّى. ويضيف: «تحتفظ إسرائيل بحقها في اتخاذ جميع التدابير اللازمة للدفاع عن النفس، في أي وقت، ضد الهجمات المخطَّط لها أو الوشيكة أو الجارية». ثم يضع البيان التاج على رأس الإذعان: «البَلَدان ليسا في حالة حرب».
هنا يتضح أن هذه الكلمات الخمس ليست تفصيلاً. فلو كان البلدان في حالة حرب، لكان للبنان حق الدفاع المتكافئ، ولكانت الانتهاكات تُحال إلى آلية محايدة. ومع إلغاء حالة الحرب، مُنح «حق الدفاع» لجهة واحدة (الجهة المحتلة)، وجُرّدت الدولة المعتدى عليها من أي حق مقابل. وهذا ليس تكراراً لبيان 2024، بل انقلاب كامل.
«مغالطة السلام»: ثلاث طبقات من التضليل
تُسمى منظومة الادعاءات في الفقه السياسي «مغالطة» (Sophism). وهي ليست كذباً صريحاً بل صياغة للكلام تجعل الباطل يبدو حقاً، والاستسلام سلاماً، والإذعان سيادة، وذلك عبر إعادة توظيف عبارات شائعة (سلام، نهضة، سيادة)، ووضعها في سياق يُفرغها من معناها.
وتعمل هذه المغالطة على ثلاث طبقات:
الأولى، الادعاء بأن ما يجري «تفاوض» بين دولتين متساويتين، وهو ليس كذلك. كما أن التفاوض بين متساويَين يفترض تكافؤ القوى وحرية الإرادة. وتنص اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات (1969) في المادة 52 على أن «كل معاهدة يتم إبرامها نتيجة التهديد باستعمال القوة أو استخدامها على نحو ينتهك مبادئ القانون الدولي تكون باطلة». أي إن عنصر الإكراه يُسقط الأساس القانوني لأي اتفاق.
الثانية، الادعاء بأن الحرب على لبنان هي «حرب الآخرين على أرضنا»، وأن السلام بديل متاح بمجرد القرار السياسي. غير أن هذه الصياغة تتجاهل بنية الصراع كما تشكّلت تاريخيًا. فالحرب على لبنان ليست فعلًا خارجيًا منفصلًا عن سياقنا، بل هي جزء من مواجهة مستمرة مع كيان استيطاني توسعي يستهدف الأرض والمياه والوجود.
الثالثة تتمثل في الادعاء بأن هذا الكيان قابلٌ بطبيعته لـ«السلام»، فيما هو بطبيعته عدواني وتوسعي سرطاني، لا يعترف بحقوق الشعوب في أرضها، ولا يلتزم بعهد ولا بميثاق: اتفاقية الهدنة 1949 خُرقَت من اللحظة الأولى، وسٌجّلت بين 1949 و1967 أكثر من 7,500 شكوى لبنانية؛ تدمير قوة كوماندوس اسرائيلية 13 طائرة مدنية في مطار بيروت عام 1968؛ «عملية الليطاني» في 1978؛ اجتياح بيروت في 1982؛ مجزرتا قانا في 1996 و2006، ثم البيجر في أيلول 2024. كل هذا، في ظل اتفاقية هدنة سارية.
في ظل الإبادة المتواصلة في الجنوب، فإن السؤال الذي يطرح نفسه: بأي سند ينتقل لبنان من حالة الحرب إلى حالة السلام، من دون معاهدة، ومن دون أكثرية الثلثَين، أو تفويض برلماني، أو تعديل دستوري، أو الانسحاب من الالتزامات الإقليمية من دون إلغاء القوانين النافذة، ومن دون معالجة للاحتلال القائم؟
الجواب: بلا سند على الإطلاق.
* كاتب لبناني