في سخرية القواعد الامريكية

pattern
details
منذ 0 ساعات

في سخرية القواعد الامريكية

في سخرية القواعد العسكرية الاميريكة في الخليج محميات عربية

 

 

الكاتب: يونس العموري

البعض يتعامل مع القواعد الأمريكية في الخليج وكأنها آثار تاريخية عربية يجب حمايتها، لا قواعد عسكرية لدولة أجنبية جاءت بطائراتها وجنودها وسلاحها. فجأة يصبح ضرب قاعدة أمريكية — مهما كان الموقف منها — "عدوانًا على الدول العربية"! وكأن الجندي الأمريكي تحوّل بين ليلة وضحاها إلى ابن عمٍّ بعيد يجب الدفاع عنه.

المنطق هنا مضحك إلى حد السخرية. منذ متى أصبحت القواعد العسكرية الأجنبية جزءًا من السيادة العربية؟ هل تحولت الجغرافيا العربية إلى ملحق عسكري للبنتاغون حتى يصبح المسّ بقاعدة أمريكية مسًّا بكرامة الأمة؟ على هذا القياس، ربما علينا قريبًا أن ندرّس في كتب التاريخ أن حاملة الطائرات الأمريكية هي قطعة من التراث الخليجي يجب الحفاظ عليها مثل اللؤلؤ والغوص.

المفارقة أن من يرفع هذا الشعار يتحدث بلغة السيادة والاستقلال، لكنه في الوقت نفسه يعتبر أن وجود آلاف الجنود الأجانب والطائرات والقواعد أمر طبيعي، بل مقدس. أما الاعتراض على هذه القواعد أو استهدافها في سياق صراع دولي، فيتحول فجأة إلى اعتداء على العرب. كأن العرب لم يعد لهم أرض إلا تلك الأسوار الإسمنتية التي تحيط بالقواعد الأمريكية.

الحقيقة البسيطة التي يحاول البعض الهروب منها: القاعدة الأمريكية هي قاعدة أمريكية، ووجودها أصلاً نتيجة توازنات سياسية وعسكرية معروفة. تحويلها إلى رمز قومي عربي هو قفزة بهلوانية في المنطق، أو لنقل بصراحة: محاولة لتجميل واقع التبعية بطلاء من الوطنية.

وباختصار ساخر: إذا كان ضرب قاعدة أمريكية في الخليج هو اعتداء على الدول العربية، فربما الخطوة التالية أن نطالب واشنطن بإضافة نجمة عربية جديدة على العلم الأمريكي… تقديرًا لحجم الحماية العاطفية التي نوفرها لقواعدها.

هناك شيء مثير للدهشة فعلاً في هذا المنطق: فجأة يتحول النقاش من سؤال بسيط — لماذا توجد قواعد عسكرية أمريكية أصلاً في الخليج؟ — إلى صرخة درامية تقول إن ضرب هذه القواعد هو "عدوان على الدول العربية". وكأننا أمام معادلة عجيبة: الجندي الأمريكي أصبح رمز السيادة، والقاعدة العسكرية الأجنبية تحولت إلى قطعة من الجغرافيا الوطنية.

دعونا نفكك الفكرة بهدوء… أو بسخرية خفيفة لأنها بصراحة تستحق ذلك.

القواعد الأمريكية في الخليج ليست مدارس ولا مستشفيات ولا مراكز ثقافية؛ هي منشآت عسكرية لدولة عظمى جاءت لحماية مصالحها الاستراتيجية أولاً، وموازين القوى الإقليمية ثانيًا. هذا ليس سرًا ولا مؤامرة. واشنطن نفسها تقول ذلك علنًا. إذن كيف يقفز البعض فجأة ليقول إن استهداف هذه القواعد — في سياق صراع دولي — هو اعتداء على العرب؟

هل أصبحت مصالح الولايات المتحدة هي نفسها المصالح العربية؟ وهل تحول البنتاغون إلى وزارة دفاع عربية بالإنابة؟

الأمر يبدو أحيانًا كأن بعض الخطاب السياسي يعيش حالة تبنٍّ عاطفي للقواعد الأجنبية. القاعدة الأمريكية تُقدَّم وكأنها بيت عربي قديم يجب الدفاع عنه، بينما الحقيقة أنها منشأة عسكرية لدولة أخرى، موجودة بقرار سياسي وبحسابات أمنية معقدة. تحويلها إلى رمز قومي هو أشبه بمحاولة إقناع الناس بأن وجود الجيوش الأجنبية شكل من أشكال السيادة.

المفارقة الأكبر أن كثيرًا من الذين يرفعون شعار أن ضرب القواعد الأمريكية هو اعتداء على العرب هم أنفسهم الذين يملؤون خطاباتهم بكلمات مثل: السيادة، الكرامة، الاستقلال الوطني. لكن عندما يصل الأمر إلى القواعد العسكرية الأجنبية، تختفي هذه المفاهيم فجأة ويصبح الدفاع عنها واجبًا قوميًّا!

إذا اتبعنا هذا المنطق إلى نهايته، فسنصل إلى نتائج كوميدية:

سنحتاج ربما إلى إدراج القواعد الأمريكية ضمن المواقع الوطنية المحمية، إلى جانب القلاع التاريخية والآثار. وربما يجب على وزارات الثقافة العربية أن تصدر كتيبات تعريفية عن “التراث العسكري المشترك” بين العرب والولايات المتحدة.

المشكلة الحقيقية في هذا الخطاب أنه يحاول خلط الأوراق. فهناك فرق واضح بين سيادة الدول العربية وبين وجود منشآت عسكرية لدولة أجنبية على أراضي بعضها. يمكن للناس أن يختلفوا حول جدوى هذه القواعد أو خطورتها أو ضرورتها، لكن تحويلها إلى رمز عربي مقدس هو قفزة في المنطق لا يقبلها حتى الحد الأدنى من التفكير الواقعي.

بكلمات أبسط:

القاعدة الأمريكية ليست خيمة عربية في صحراء الخليج، وليست قطعة من الهوية القومية. هي قاعدة عسكرية أمريكية بكل وضوح. وإذا كان البعض يريد الدفاع عنها، فليقل ذلك بصراحة سياسية، لا أن يلبسها عباءة العروبة ويطلب من الجميع التصفيق.

أما السخرية الكبرى في المشهد كله فهي أننا وصلنا إلى مرحلة يصبح فيها الدفاع عن القواعد الأجنبية أكثر حماسًا أحيانًا من الدفاع عن قضايا العرب أنفسهم. وهذا وحده كافٍ ليجعل أي مراقب يبتسم بسخرية… أو يضحك بصوت عالٍ.

من الطريف حقًا أن نسمع بعض الأصوات تصرخ بأن ضرب القواعد الأمريكية في الخليج هو "عدوان على الدول العربية"، وكأن هذه القواعد فجأة أصبحت جزءًا من التراث القومي العربي. فجأة يتحول الجندي الأمريكي إلى جارٍ عزيز، وتتحول مدارج الطائرات الحربية إلى ممتلكات سيادية يجب الدفاع عنها بكل حماسة.

لكن المفارقة الساخرة أن هؤلاء أنفسهم لا يظهرون الحماسة ذاتها عندما يتعلق الأمر بالعدوان الأمريكي-الإسرائيلي المتكرر في المنطقة. فعندما تُقصف غزة، أو تُدمَّر مدن في لبنان، أو تُهدَّد إيران بشكل مستمر بالقصف والعقوبات والحصار، يصبح الخطاب أكثر هدوءًا، بل أحيانًا أقرب إلى التبرير أو الصمت المريح.

هنا يظهر التناقض الفاضح:

حين يتعلق الأمر بقاعدة عسكرية أمريكية، يصبح الحديث عن السيادة العربية مسألة مقدسة. أما حين يتعلق الأمر ببلدان وشعوب تتعرض للقصف والاحتلال والاغتيالات، فإن السيادة فجأة تتحول إلى مفهوم مرن يمكن تأجيله أو تفسيره بطرق مختلفة.

الحقيقة التي يحاول البعض تجاهلها أن المنطقة منذ سنوات تعيش ضمن معادلة واضحة: تحالف استراتيجي وثيق بين الولايات المتحدة وإسرائيل، يقابله صراع مفتوح مع قوى أخرى في الإقليم، من بينها إيران، ومع قوى مقاومة في فلسطين ولبنان. وفي قلب هذه المعادلة تنتشر القواعد العسكرية الأمريكية، التي ليست مؤسسات خيرية، بل أدوات مباشرة ضمن هذا التوازن العسكري والسياسي.

لذلك يبدو غريبًا — بل مضحكًا أحيانًا — أن يُطلب من الناس اعتبار هذه القواعد جزءًا من الأمن العربي، في الوقت الذي تُستخدم فيه القوة العسكرية الأمريكية نفسها لدعم إسرائيل سياسيًا وعسكريًا بشكل شبه مطلق، حتى في أكثر الحروب دموية في فلسطين ولبنان.

وبالتالي فإن تصوير أي استهداف للقواعد الأمريكية وكأنه اعتداء على العرب ليس فقط تبسيطًا مخلًا، بل أيضًا محاولة لإعادة تعريف الواقع بطريقة مقلوبة: حيث تصبح البنية العسكرية للقوة العظمى في المنطقة رمزًا للأمن العربي، بينما تُصوَّر الصراعات الكبرى وكأنها شأن بعيد لا علاقة له بالسيادة العربية.

السخرية الكبرى في هذا الخطاب أنه يطالب العرب بأن يغضبوا بشدة إذا تعرضت منشأة عسكرية أمريكية للخطر، لكنه لا يطلب منهم الغضب بالقدر نفسه عندما تُقصف مدن عربية أو تُقتل شعوب تحت الاحتلال.

وبكلمات أقل دبلوماسية: يبدو أننا وصلنا إلى مرحلة يصبح فيها الدفاع عن القواعد العسكرية الأجنبية أكثر حماسة من الدفاع عن قضايا العرب أنفسهم. وهذه مفارقة لا تحتاج إلى كثير من التحليل… بقدر ما تحتاج إلى قليل من الصراحة.