
سياسة الحسم الديمغرافي في الضفة الغربية الجغرافيا أداة إقتلاع
حمزة البشتاوي
الخميس 05 فبراير 2026 | 11:21 ص
نشر في مجلة الهدف العدد (79) (1553)
إنطلاقاً من الرؤية الإسرائيلية التي ترى في الديمغرافيا التهديد الوجودي الأخطر على كيان الإحتلال، تتعرض الضفة الغربية التي تمثل قلب الصراع بكافة عناوينه وأشكاله، إلى تصعيد إسرائيلي متدرج ومركب، يجمع ما بين الإقتحامات العسكرية واعتداءات عصابات المستوطنين، وهدم المنازل، والتهجير القسري، والتوسع الإستيطاني، في محاولة لفرض واقع ديمغرافي جديد في الضفة الغربية حيث يتبنى الإحتلال سياسة الحسم الديمغرافي إستناداً إلى المشروع الصهيوني على أرض فلسطين، الذي يريد أرض أكثر بسكان أقل لتغيير الميزان السكاني بأدوات أمنية وعسكرية واستيطانية، بهدف تقليص الوجود الفلسطيني وتحويله إلى حالة هامشية قابلة للسيطرة لتحقيق التهجير القسري الصامت في هذه المرحلة من العدوان.
وعبر الإستيطان المكثف والمتدرج والضم الزاحف، وخنق الحياة الإقتصادية، إضافة لتفكيك عناصر تواصل المجتمع الفلسطيني عبر الحواجز والجدران، والإقتحامات والإعتقالات اليومية، يجري العمل على تطبيق مشروع الحسم الديمغرافي طويل الأمد وفق رؤية اليمين الصهيوني المتطرف الذي يريد تحويل المسألة الفلسطينية من قضية شعب تحت الإحتلال، إلى مشكلة سكانية وإنسانية، يمكن إدارتها بالمساعدات والحلول المؤقتة حيث ينظر إلى العامل الديمغرافي بأنه لا يقل أهمية عن الخطر العسكري إذ ينظر إليه كعامل حاسم في الصراع.
في معركة البقاء ومواجهة سياسة الإقتلاع والتهجير يرفع الفلسطينيون في الضفة الغربية راية المقاومة بما يعيد المعنى للصمود البطولي بمواجهة الإحتلال الذي يعتبر البقاء تهمة والذاكرة خطر أمني في الصراع المفتوح على الإنسان والمكان المستهدف ليس فقط من خلال السيطرة العسكرية بل من خلال محاولة تحويل الفلسطينيين في أرضهم إلى أقلية محاصرة ومتآكلة وموزعة على أكثر من محطة وكارثة لجوء ونزوح.
تعتمد مخططات السيطرة على الضفة الغربية على توزيع مدروس للسكان والمستوطنات، يوازي ما بين الكثافة السكانية والأهمية الإستراتيجية لتعزيز الإستيطان في الضفة الغربية، حيث تعتبر المعركة الديمغرافية جزءاً من المعركة الجغرافية والتاريخية والثقافية المتعلقة بالمستقبل وتقرير المصير، وهذا ما يجعل البعد الديمغرافي يأخذ طابعاً استراتيجياً في المخططات الصهيونية وسط أرقام ومعدلات الهجرة المعاكسة التي تدعو للقلق والخوف بالنسبة لقادة الإحتلال الذين يعتبرون المشكلة الديمغرافية الخطر الأكبر الذي يهدد استمرار بقاء الكيان.
في وثيقة صدرت عن مؤتمر هرتسيليا ورد بأن هناك حاجة لإيجاد حل للمأزق الديمغرافي في غير (إسرائيل) ربما الأردن أو سوريا أو لبنان لتوطين الفلسطينيين بحال لم يكبح الفلسطينيون من وتيرة تكاثرهم، ولمواجهة هذه الرغبة الإسرائيلية اصبح سكان الضفة الغربية اليوم أكثر من من ثلاثة ملايين و أربعمة مائة ألف نسمة يشكل اللاجئون بسبب نكبة عام 1948 نحو 36% موزعين على مساحتها التي تبلغ نحو 5640 كلم2، كما يوجد فيها حوالي 650 ألف مستوطن، وتتعرض الضفة وسط هذا الواقع الديمغرافي إلى إعادة هندسة أمنية وجيوسياسية من قبل الإحتلال الذي يقوم بعمليات عسكرية ضد مدن الضفة ومخيماتها للإنتقال من مرحلة هندسة الجغرافيا إلى هندسة الديمغرافيا، وإيجاد بيئة طاردة للسكان عبر القتل والعنف والتضييق الممنهج وعمليات (تهجير ناعم) وتحويل المنطقة (ج) التي تشكل نحو 60% من مساحة الضفة الغربية إلى منطقة عمليات ونفوذ لجيش الإحتلال بما يخلق واقع على الأرض يمهد لمشروع ضم الضفة الغربية.
مع إقتراب موعد الإنتخابات الإسرائيلية في شهر تشرين أول القادم، يتوقع أن تتكثف عمليات الهدم والقتل والإستيطان وزيادة عنف وارهاب المستوطنين الذين يعملون كقوة ضغط إضافة للتهجير والمقصود من ذلك رفع نسبة التصويت للأحزاب اليمينية الأكثر تطرفاً والتي تقود سياسة إستيطانية تهدف إلى إحداث تغيير ديمغرافي مستدام، كخطوة متقدمة نحو الضم الكامل أو الجزئي للضفة الغربية وسط إدراك الإسرائيليين بأن المعطيات الديمغرافية لا تعمل في صالحهم الآن وفي المستقبل من الضفة إلى النقب والجليل وسط حالة تهويد فلسطين طالما كان شعبها حاضراً ثقافياً وعسكرياً وسياسياً في معركة الوجود والثبات والتمسك بالهوية المتجذرة في الزمان والمكان الذي تتحول في أعداد الفلسطينيين إلى قوة وقدرة على التغيير الجذري للواقع رغم حرب الإبادة والتهجير والقوانين العنصرية لتحقيق ما يسمى الحسم الديمغرافي لصالح اليهود في الضفة الغربية وعموم فلسطين
حمزة البشتاوي
كاتب صحفي فلسطيني