بمناسبة يوم القدس العالمي، تحدّثت شخصيات إعلامية فلسطينية لـ”مرآة الجزيرة” عن مكانة ورمزية هذا اليوم عند الفلسطينيين أنفسهم، وماذا يعزّز هذا اليوم من مشاعر متبادلة بين الشعب الفلسطيني والشعوب الحرة التي تنظر إلى فلسطين؛ القضية التي تستحق كل تضحية على طريق تحريرها. الكاتب والصحفي حمزة البشتاوي، في حديث إلى “مرآة الجزيرة”، أكّد على أن أهمية ورمزية يوم القدس بالنسبة للشعب الفلسطيني الذي شهد خلان العالمين العربي والدولي لقضيته، فشكّل يوم القدس فرصة لحشد “الحق كله في وجه الباطل كله”. وقال: “يوم القدس العالمي يشكّل لكل أبناء الشعب الفلسطيني بكل أطيافه يوماً للوحدة والمقاومة ويوم لكل الشعوب الحرة الحاضرة دوما في وجدان وضمير العالم. ومنذ أن أعلن الإمام الخميني قدس سره بأن يوم القدس هو يوم التعبئة لإزالة البقعة السوداء عن الخارطة، تحضرالقدس في يومها العالمي بصفتها أقصر الدروب ما بين الأرض والسماء”. لافتاً إلى أن “يوم القدس العالمي هذا العام شهدنا فيه تحرّكا شعبيا كبيرا من جبهات الإسناد التي تعتبر قولا وفعلا أن البوصلة هي القدس، إلى جانب ذلك رأينا ما قامت به القوات المسلحة في الجمهورية الإسلامية الإيرانية من عرض عسكري كبير للقوات البحرية في الخليج الفارسي في رسالة واضحة بأن الجمهورية الإيرانية تقف مع قضية فلسطين وحقوق الشعب بكل الوسائل والإمكانيات المتاحة، وأنها على استعداد لكسر كل التهديدات التي تتعرض لها إيران نتيجة هذا الموقف”. وفي استطراده في الحديث عن الحضور الإيراني الكبير في مثل هذا اليوم، تابع البشتاوي حديثه مع “مرآة الجزيرة” بالقول: “إيران كما كل عام تجدد وقوفها إلى جانب القضية الفلسطينية، وهي في هذا اليوم تقول أنها منذ انتصار ثورتها الإسلامية ما زالت على نفس الخطرغم كل العقوبات والتحديات الدولية، هذه التحديات نابع من تآمر النظام الدولي على القضية الفلسطينية. لكن على الرغم من كل الحشد الإعلامي والسياسي ضد القضية نشهد اليوم وقفات شعبية كبيرة في عدد من الدول الغربية تعلن تأييدها للقضية، وهو ما شهدناه في بريطانيا حيث انطلقت مظاهرات حاشدة تحمل لافتات تتطالب بوقف العدوان على غزة، وواصفة الكيان الصهيوني بالإرهاب”. حول خصوصية ورمزية القدس في وجدان الشعب الفلسطيني رغم كل ما يتكبّده من تضحيات الصمود، أكد الصحفي الفلسطيني على أن القدس تحظى بأهمية خاصة لدى الشعب الفلسطيني لما تمثّله من بوصلة الصراع مع الاحتلال منذ نشوئه على أرض فلسطين، حيث كانت كل ثورات وانتفاضات الشعب الفلسطيني ضد المشروع الصهيوني تكون فيها المركزية لمدينة القدس: ثورة البراق عام 1929 كان عنوانها القدس، الثورة الفلسطينية الكبرى عام 1936، ثورة الحجار أو الانتفاضة الكبرى، انتفاضة الأقصى عام 2000، عملية سيف القدس. وتابع: “اليوم رغم الابادة الجماعية على قطاع غزة، ما يزال خيار هذا الشعب هو الصمود والمقاومة دفاعا عن القدس وعن وجوده في أرضه، وهو ما يحاول جيش الاحتلال التصدّي له، فشهدنا كيف حشد الجيش والشاباك عديده وعتاده لمنع الفلسطينيين من إحياء هذا اليوم داخل مدنهم وخاصة في العاصمة الفلسطينية القدس”. أكمل “لكن الشعب الفلسطيني أصرّ على إحياء هذا اليوم رغم المضايقات التي يتعرض لها، فقام بالجمع هذا العام بين يوم القدس العالمي ويوم الأرض الذي يحييه في كل عام في الثلاثين من آذار، لذلك شهدنا مسيرات حتى داخل أراضي الـ48 ، خاصة في سخنين وأم الفحم، رغم منع إقامة المظاهرات بذكرى يوم القدس”. نوّه الكاتب السياسي إلى أشكال العوائق التي تعترض الشعب الفلسطيني في إحيائه هذا اليوم: “في مثل هذا اليوم تظهر التحديات التي تواجه أبناء الشعب الفلسطيني الصامد في القدس، خاصة في أحياء البلدة القديمة ومخيماتها، حيث ما زالت محاولات تضييق الخناق وتقييد الأفواه وتهجير سكانها قائمة، وأبرز هذه التحديات: مشوروع تهجير سكّان القدس بشتى الأساليب، تحويل الاحتلال مظهر المدينة إلى مدينة بوليسية تحتشد فيها عناصر العدو الأمنية وجيشه، تعمُّد الاحتلال جرف منازل الفلسطينيين، ومنعهم من تأدية صلاتهم داخل المسجد الأقصى، استخدام أبشع أساليب قمع الأصوات من خلال الاعتقالات والرمي بالرصاص لشباب القدس الذين يستمرون في المواجهة”. في ختام حديثه مع “مرآة الجزيرة”، يقول البشتاوي: ” يوم القدس العالمي هو يوم يعني الشعوب الحرة التي ترفض التطبيع مع كيان الاحتلال والرضوخ لمشروع الهيمنة الأميركية على المنطقة، ومن يتحمّلون مسؤولية الدفاع عن الحق الفلسطيني. أما على المقلب الآخر فنشهد صمتاً عربيّا من دول الخليج وخاصة المطبّعة منها أو على خطى التطبيع، ومن خذلان متواصل تجاه القدس وتجاه حرب الإبادة المستمرة على قطاع غزة”، لافتا إلى أنه “هناك أسف كبير لدى أبناء الشعب الفلسطيني من الخدر الذي تعيشه بعض النخب والشعوب العربية، التي لم تتحرك خلال أهم المحطات المفصلية التي مرّت بها القضية الفلسطينية، ولم يُعوّل عليها التحرك في يوم القدس العالمي”. مؤكدا على أن “يوم القدس العالمي يحدد عنوانا جامعا ويفصل بين أتابع الحق وأتباع الباطل”. من جانبه، الكاتب والمحلل السياسي الدكتور فايز أبوشمالة، يرى في حديثه لـ”مرآة الجزيرة” أن يوم القدس العالمي هو بمثابة مطرقة ثقيلة تدق على العقول المثخنة بالتخاذل والتجاهل للقضية الفلسطينية، والمسجد الأقصى، كما أنه رسالة إلى كل العالم، بأن هناك عدو إسرائيلي يحتل الأرض العربية الفلسطينية، ويستعبد الإنسان العربي الفلسطيني. مؤكدا على أن “مسؤولية مواجهة هذا العدو لا تقع على عاتق الفلسطيني وحده، ولا حتى على ظهر النظام العربي، بل تقع المسؤولية على كل المسلمين، لأن القدس لا تخص العرب وحدهم، ولا تخص الفلسطينيين وحدهم، القدس عقيدة، والقدس قضية إنسانية لو التفت من حوله المسلمون كافة، لتنبه لذلك بقية البشر، وصارت قضيتهم الأولى كما هي قضية الفلسطيني في الوقت الراهن”. في تأكيده على أهمية هذا اليوم لدى الشعب الفلسطيني، يقول الدكتور أبوشمالة: “ما أحوج الشعب الفلسطيني في هذه الأيام إلى هذا الإسناد بيوم القدس العالمي، غزة التي تعيش الحصار والموت، والضفة الغربية التي تواجه النزوح والتدمير، والقدس التي يقتحمها المستوطنون الصهاينة على مدار الوقت، كل ذلك يؤشر إلى أن الشعب الفلسطيني بحاجة إلى أي مناسبة تدق طبول اليقظة على مسامع الشعوب، فكيف لو كان هذا الحدث هو يوم القدس العالمي، والذي يمد يد المشاركة والوحدة الروحية بين كل أولئك الذين يقلقون لمستقبل القدس، ويهتمون بمصير الشعب الفلسطيني”. يلفت الصحفي الفلسطيني في حديثه لـ”مرآة الجزيرة”، إلى كيف كان النضال الفلسطيني كله لأجل القدس: “القدس ليست عقيدة فقط، القدس سياسة، ورمز للحرية ورفض القيود، وما تعانيه غزة من ويلات كان بسبب القدس، فالمعركة كانت تحت مسمى طوفان الأقصى، وكان قبلها معركة سيف القدس، وذلك يؤكد أن الهدف النهائي لمعركة طوفان الأقصى هو ذاك البعد الروحي للقضية الفلسطينية التي تلتقي بأهدافها على تحرير القدس، ولا قيمة لكل بقعة أرض عربية أو إسلامية دون أرض القدس، بمضمونها الروحي والعقائدي والسياسي والاستراتيجي، ولاسيما أن القدس تحت النار، ولم تنته معركتها بعد، والعدو الإسرائيلي يضع القدس والمسجد الأقصى على رأس الأولويات للحسم والسيطرة، وإقامة الهيكل المزعوم”. يتطرّق المحلل السياسي إلى كثير التحديات التي يكابدها الشعب الفلسطيني في القدس: ولعل أخطرها هي التضييق على حياتهم، فلا عمل ولا مسكن ولا تطوير للحياة، ولا حرية العيش والتنقل، مع فرض الضرائب الباهظة، وفرض المخالفات المالية المقلقة، وقد يترافق هذا مع التجاهل العربي لمكانة القدس، وتجاهل حاجات الإنسان الفلسطيني في القدس. وعلى صعيد الأرض، يضيف الدكتور أبوشمالة: “هناك السيطرة الإسرائيلية، منع البناء، منع الكثير من الأعمال على الفلسطيني في القدس، مصادرة الأرض، الإغلاقات، ومنع الحركة على الفلسطينيين، وفوق هذا يأتي الحصار وتضييق الحركة، حتى وصل إلى حد المنع من الصلاة في المسجد الأقصى والأطماع الإسرائيلية ترى بالإنسان هدفاً على طريق السيطرة التامة على أرض القدس”. يشير المحلل السياسي الفلسطيني إلى أن الكاتب الأمريكي ودوورد فضح دور الأنظمة العربية كلها بالنسبة لحرب الإبادة ضد غزة، وكيف أعطى جميعهم الموافقة المبدئية لتدمير حركة حماس، جاء ذلك في أول زيارة لوزير الخارجية الأمريكية أنتوني بلينكن للمنطقة، عشية بدء معركة طوفان الأقصى، مؤكدا على أن “سنة ونصف من حرب الإبادة دللت أن الأمة العربية والإسلامية قد عجزت عن إرسال شربة ماء لغزة إلا بإذن الإسرائيلي، وعجزت عن وقف الذبح، وظلوا متفرجين على المشهد، دون فعل جدي ضاغط، رغم مؤتمرات القمة العربية والإسلامية”. وتابع خاتماً حديثه: “فقط حزب الله في لبنان هو الذي شارك أهل غزة أوجاعهم، وشاركهم المواجهة، واليمن الذي لما يزل يتلقى الضربات، ويخوض معركة وحدة الساحات، ولا ننسى إيران، وموقفها الداعم للمقاومة في غزة بكافة أشكال الدعم، بما في ذلك المشاركة المباشرة في معركة طوفان الأقصى، وما تحملته من خسائر ومسؤوليات بهذا الشأن