بقلم الأسير أسامة الأشقر
لفهم طبيعة التفكير الإسرائيلي يجب النظر بعمق وشمولية للواقع الفلسطيني الحالي، فنظرية الأمن الإسرائيلية تتعامل مع الشعب الفلسطيني بوسائل وأساليب متعدّدة، ففي كل موقع من مواقع التواجد الفلسطيني تعمل إسرائيل بوسيلة مختلفة في ضبط للإيقاع، يجعل من هذه الوسائل أدوات تصب في خدمة الإستراتيجية الشاملة، ولكل موقع أدواته الخاصّة بحيث يشعر الفلسطيني المتواجد في الضفة بأنه منفصل تماماً عن الشعب الفلسطيني الذي يسكن مدينة القدس أو الأراضي المحتلة عام ٤٨ أو غزة أو حتى الفلسطينيين المتواجدين خارج حدود فلسطين التاريخية، فبنظرة متأنية للوسائل المبتدعة من قِبل إسرائيل نجد أنها تحافظ على أمرين متناقضين الأول اتخاذ إجراءات منسقة ومتتالية لإضعاف السلطة الوطنية الفلسطينية ولإفقادها القدرة على العمل بشكل سلس ومجدي، والثاني المحافظة على وجودها واستمرارية بقائها بهذا الشكل، بينما يتم التعامل مع الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية بأداة القياس المعتمدة على الوضع الاقتصادي والمعيشي بحيث يبقى الفلسطيني معلقاً بهذا الأنبوب الذي تفتحه إسرائيل وتغلقه كلما أرادت ذلك.
أما مع الفلسطيني الذي يسكن قطاع غزة فهي لا تريد إلا أمرين، الأول: بقاء الوضع الحالي كما هو عليه، أي أن تبقى غزة غير قادرة على تلبية احتياجاتها الأساسية وتبقى معلقة بما تقدمه إسرائيل أو مجموعة الدول المانحة أو المنظمات الدولية، أما الأمر الآخر فهو: الحفاظ على الهدوء وعدم القيام بأي أعمال تربك الوضع الإسرائيلي إن كان ذلك على حدود القطاع أو جنوب إسرائيل.
كما أنّ لإسرائيل أهدافاً محدّدة في الضفة الغربية وقطاع غزة، فإنّ لها كذلك أهدافاً محدّدة للفلسطينيين الذين ما زالوا يحافظون على وجودهم في فلسطين التاريخية وتقع هذه الأهداف ضمن استراتجية الإقصاء والتفريغ، فبإقصاء الجمهور العربي عن أدوات النمو والتطوّر والتأثير وجعله متخلّفاً عن الوسط اليهودي علمياً وثقافياً واقتصادياً واجتماعياً وسياسياً وذلك بهدف الحفاظ على فجوة كبيرة بين الفلسطيني والإسرائيلي والوصول لحالة يصبح الفلسطيني فيها بعيداً عن التأثير، وكذلك تعمل إسرائيل ضمن استراتجيتها المتعدّدة الوسائل على تفريغ الشعب الفلسطيني من أي مضمون أو أي ارتباط بأرضه وبمكوّناته المختلفة في محاولة لفصل هذا الشعب عن محيطه وجعله فاقد البوصلة فارغ المحتوى الوطني الذي هو ركن أساسي لوحدة وبقاء أي شعب.
بينما تعتمد إسرائيل في وسائلها مع الشعب الفلسطيني خارج فلسطين التاريخية ضمن استراتجية التهميش والتيئيس فمن خلال متابعة لصيقة من قبل أجهزتها الأمنية تعلم إسرائيل علم اليقين حالة اليأس التي وصل لها الشعب الفلسطيني في مخيّمات اللجوء وهي تراهن على المزيد من التهميش لهذا الجزء الهام من الشعب الفلسطيني ليصل إلى درجات أعلى من اليأس حتى يصل لقناعة مفادها أن فلسطين لا تستحق كل هذا العناء، وأن على كل فرد من أفراد هذا الشعب البحث عن مستقبله الخاص في دول الاغتراب.
في هذه الأُطُر المتعدّدة تسير الإستراتجية الإسرائيلية قاطعة شوطاً هاماً في مساعيها الهادفة لخلق واقع فلسطيني جديد يتوافق مع رؤيتها المستقبلية.