يبدو أن اللقاء بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ونظيره الروسي فلاديمير بوتين بات وشيكاً، لكن أوروبا، التي لعبت دورا قياديا إلى جانب الولايات المتحدة في حرب أوكرانيا والصراعات في الشرق الأوسط، مستبعدة تماما من هذه العملية؛ فمع فوز ترامب في الانتخابات، أصبح من الواضح أن هناك مفاوضات مؤكدة بين روسيا والولايات المتحدة، وحتى قبل الانتخابات، كانت هناك مؤشرات على اتصالات مختلفة بين ترامب وفريقه وروسيا. إذ يبدو بأن لدى ترامب، رؤية أكثر واقعية للعالم مقارنة بالإدارات الأميركية الأخرى، حيث عارض ترامب استنزاف موارد بلاده وطاقتها في مواجهة المقاومة من جانب الصين وروسيا، أو غيرها من المواجهات كالحاصلة في الشرق الأوسط وتحديدا فيما يتعلق بالدعم العسكري لإسرائيل في الحرب التي ناهزت العام ونصف في غزة ولبنان واستنفذت الخزينة الأميركية.
وباعتبار أن اللقاء بات وشيك فإن السعودية تبدو المرشح الأبرز لاستضافته كونها طورت من سياساتها الداخلية والخارجية ووزعت مسار علاقاتها الخارجية في عدة سلل وخاصة في الآونة الأخيرة، فشبكت علاقاتها مع روسيا بشكل كبير وأقامت علاقات قوية مع الصين تجاريا وعسكريا بالإضافة إلى علاقاتها التاريخية مع الولايات المتحدة لذا باتت الآن دولة يمكن لروسيا والولايات المتحدة الاتفاق عليها. ولا شك بأن تركيا مرشحة لاستضافة مثل هذا الاجتماع، ولكن يبدو أن تحول أنقرة عن موقفها المحايد المسمى “سياسة التوازن” وما رافق هذا التحول من انحياز أكبر نحو الغرب، ودورها في سوريا، والدعم المتزايد لأوكرانيا، فإنها لم تعد محايدة من قبل روسيا.
وكان لا فتاً الدور السعودي في الخطوة البارزة نحو تخفيف حدة التوترات الدولية، حيث استضافت العاصمة السعودية الرياض في الثامن عشر من شباط المنصرم لقاءً تاريخيًا جمع بين كبار المسؤولين من روسيا والولايات المتحدة الأمريكية، بهدف مناقشة سبل التوصل إلى حل شامل للأزمة الأوكرانية. وأتى هذا اللقاء في وقت حساس، تتواصل فيه تداعيات الصراع الروسي – الأوكراني على الأمن الدولي والاقتصاد العالمي، وخصوصًا على تطورات الاوضاع في الشرق الأوسط وتحديداً في سوريا التي تدخل مخاض ولادة جديدة والسودان الذي يعاني حربًا أهلية عسيرة منذ أكثر منذ عامين.
واتفق كلا الطرفين على أن نهاية الصراع في أوكرانيا يجب أن تكون دائمة ومستدامة ومقبولة من جميع الأطراف، ويقترح الجانب الأمريكي في الوقت الحالي، خطة سلام من ثلاث مراحل، والتي تتضمن وقف إطلاق النار، وإجراء انتخابات رئاسية في أوكرانيا، وفي نهاية المطاف توقيع اتفاق نهائي. في الوقت نفسه، أكد وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، خلال حديث مع الصحافيين، أنه لم ير أي تقارير عن “خطة من ثلاث مراحل”، لكنه أعرب عن تفاؤله بشأن مستقبل العلاقات بعد إزالة العقبات التي وضعتها إدارة الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن. كما ألقى لافروف، حينها الضوء على نتائج المباحثات الروسية الأميركية بالرياض وتطورات الوضع في سوريا. وأشار إلى محادثات مستقبلية مع الحكومة السورية الجديدة، مشدداً على تخوفه من تكرار السيناريو الليبي بسورية.
وعلى الجانب الأخر، يبدو أن تركيا تنافس السعودية في الدور الأقليمي فلم تكتفِ بالإمساك بزمام الأمور في سورية بل تسعى إلى التشبيك مع الملف الأوكراني في محاولة منها لفرض وجودها في الملفات كافة خاصة وأن زيارة الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، إلى العاصمة التركية أنقرة، بالتزامن مع اجتماع الرياض حيث استقبله الرئيس رجب طيب اردوغان لإجراء مباحثات ثنائية تليها أخرى على مستوى وفدي البلدين.
لتعود تركيا وتستضيف في اسطنبول مباحثات أميركية روسية استكمالاً لتلك التي تمت في الرياض في مسعى من الولايات المتحدة وروسيا الاتحادية لرأب الصدع في العلاقات الدبلوماسية بين البلدين وتحقيق الاستقرار في عمل البعثات الدبلوماسية للبلدين وتبع ذاك اللقاء اتصال هاتفي بين ترامب وبوتين وربما لقاء قريب بينهما وهذا ما سينعكس على ملفات الصراع في الشرق الأوسط وأوكرانيا
في الأثناء يبدو أن السودان ينتظر رد رسمي من الجانب الأوكراني على الدعم العسكري لقوات الدعم السريع خاصة وأنه بعد سيطرة الجيش السوداني على الكثير من مواقع والنقاط لقوات “الدعم السريع”، نتيجة معارك عدّة في مناطق مختلفة بالسودان خلال الأسابيع الأخيرة من عام 2024، تم اكتشاف العديد من مخازن الأسلحة والتي تحوي على أسلحة أجنبية ومسيّرات مقدمة من أوكرانيا، حيث نشرت وسائل الإعلام الأوكرانية، تقارير تؤكد التواجد العسكري الأوكراني في السودان؛ وفق تصريحات نقلتها صحيفة “مصراوي”، ولم تكن المرة الأولى التي يتم فيها العثور على سلاح أو مقاتلين أو وثائق تثبت تورط جنود أوكرانيين في الصراع الدائر في السودان، حيث يعتقد الكثير بأن الحرب في السودان تحولت لصراع دولي على ثروات السودان، حيث يتم تغذية هذا الصراع من قوى خارجية وبأيدي جماعات من المرتزقة.
وكانت وسائل إعلام محلية سودانية، قد نشرت صور لجثة مقاتل أوكراني قتل في المعارك التي خاضها الجيش لتحرير مدينة ود مدني في محافظة الجزيرة القريبة من العاصمة الخرطوم، وأشارت مصادر الى أن السلطات السودانية التزمت الصمت حيال التورط الأوكراني في الصراع الداخلي السوداني ودعم القوات المتمردة على الدولة، وخاطبت السلطات الأوكرانية لتوضيح طبيعة هذا التدخل.
وبالتالي باتت أوكرانيا مطالبة بالتعليق بشكل واضح عن دورها العسكري في السودان، ولماذا أرسلت جنودها وما طبيعة عملهم هناك، فالصمت الذي تتبعه السلطات الرسمية في أوكرانيا، والاكتفاء ببعض التصريحات المبهمة يثبت تورطها في جرائم التطهير العرقي التي تتبعه ميليشيا الدعم السريع في إقليم دارفور، وهو ما أثبتته العديد من المؤسسات الأممية والإنسانية في تقارير صادرة عنها منذ بداية الحرب السودانية.
كما أن هناك العديد من الدول التي تم إثبات تورطها المباشر في دعم ميليشيا الدعم السريع المتمردة، لكن لم تجرؤ أي من هذا الدول حتى اللحظة على الاعتراف بالتدخل المباشر والدعم العسكري المقدم للميليشيات خوفًا من التورط بعقوبات واتهامات بارتكاب مجازر ضد الإنسانية، خصوصًا في ظل حظر توريد الأسلحة إلى إقليم دارفور من قبل مجلس الأمن.
ناهيك عن أنّ أوكرانيا هي الدولة الوحيدة التي اعترف بعض مسؤوليها بالتورط في هذا الصراع ودعم الطرف المتهم بارتكاب الجرائم الإنسانية والتطهير العرقي، وعلى الرغم من ذلك لم يخرج حتى اللحظة أي مسؤول على مستوى القيادة السياسية أو الديبلوماسية للبلاد لتوضيح ماهية التواجد العسكري الأوكراني في السودان.
خاصة وأن صحيفة “كييف بوست” الأوكرانية، نشرت سابقاً تسجيلات مصورة توثّق ما قالت إنه عمليات عسكرية خاصة تنفذها قوات أوكرانية في السودان بحجة التصدي ومحاربة :المرتزقة الروس” وحلفائهم المحليين، مشيرةً إلى أن هذا النشاط الأوكراني داخل الأراضي السودانية مستمر منذ أشهر.
ويبدو أن على الإدارة الأوكرانية تبييض صفحتها مع الإدارة الأميركية الجديدة والرد على مطالبات السلطات السودانية بأن تقوم بالتعليق على دعمها للتمرد وتبرير التواجد عبر مسؤول على مستوى القيادة كالمبعوث الأوكراني لدى الأمم المتحدة في نيويورك أندريه ميلنيك، على غرار ما قامت به الإمارات العربية المتحدة عندما بررت موقفها على لسان مندوبها لدى مجلس الأمن، محمد أبو شهاب، ومستشار الرئيس الإماراتي، أنور قرقاش.
وفي العودة إلى المباحثات الروسية الأميركية فمن غير الدقيق أيضاً أن نتصور بأن المناقشات في السعودية سوف تركز فقط على قضية أوكرانيا. بل سيمثل اجتماع بوتن وترامب بداية لعملية مناقشة النظام العالمي الجديد؛ وقد يتوصل الطرفان إلى اتفاق بشأن تفاهم أمني مشترك في العديد من المناطق. ورغم أنه ليس من المؤكد أن روسيا والولايات المتحدة سوف تتفقان على كل مسألة، فإن الخطوات الأولى نحو إقامة نظام جديد سوف تتخذ. وبطبيعة الحال، فإن إنشاء هذا النظام الجديد ليس ممكناً بمجرد المحادثات بين الولايات المتحدة وروسيا؛ إذ لا يمكن لمثل هذه العملية أن تنجح دون إشراك دول مثل الصين وتركيا والهند وإيران كأطراف دولية وإقليمية ومع ذلك، يمكننا أن نرى هذا الاجتماع كخطوة أولى.